• ما أتمناه لنفسي عند بلوغ الأربعين من العمر

    ما أتمناه لنفسي عند بلوغ الأربعين من العمر

    ولدت يوم السبت الرابع عشر من يونيو 1986.

    وقبل عشرة أعوام، عندما بلغت الثلاثين من عمري، كتبت تدوينة طويلة أسجل فيها مخاوفي وأحلامي وما أرجوه من السنوات القادمة. كنت أنظر إلى العمر القادم بعيون شاب يظن أن أمامه متسعًا كبيرًا من الوقت، وأن الحياة ستمنحه الفرصة لتحقيق كل ما يتمناه إذا اجتهد بما يكفي.

    واليوم، وأنا أبلغ الأربعين، عدت لأقرأ ما كتبه ذلك الشاب.

    ابتسمت أحيانًا.

    وحزنت أحيانًا.

    وشعرت بالحنين كثيرًا.

    اكتشفت أن بعض الأشياء التي كنت أخشاها حدثت فعلًا، وبعض الأشياء التي كنت أتمناها لم تتحقق، وبعض الأحلام التي كتبتها نسيتها تمامًا حتى حققها الله لي دون أن أشعر.

    كنت قد كتبت يومها أنني أتمنى أن أقفز من طائرة ذات يوم.

    ونسيت أن الله أكرمني بتحقيق ذلك الحلم بالفعل عندما قفزت بالمظلة في روسيا خلال كأس العالم 2018.

    عندها أدركت أن الذاكرة ليست دائمًا عادلة.

    وأن الإنسان بطبعه يتذكر ما فاته أكثر مما يتذكر ما أُعطي.

    ولعل هذا أول درس تعلمته مع الأربعين:

    أن الامتنان أصعب من الطموح.

    فالطموح يجعلك تنظر إلى ما ينقصك، أما الامتنان فيجعلك ترى ما لديك.


    كلما فكرت في الأربعين، حضرت إلى ذهني الآية الكريمة التي طالما توقفت عندها:

    ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا ۖ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا ۖ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا ۚ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي ۖ إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾.

    كلما قرأتها ازددت يقينًا أن الله يعلم طبيعة هذه المرحلة من العمر أكثر مما نعلمها نحن.

    فبعد الأربعين لا يعود الإنسان منشغلًا بما سيصبح عليه بقدر انشغاله بما تركه خلفه.

    لا يعود السؤال: ماذا حققت؟

    بل يصبح السؤال: ماذا أصلحت؟

    وماذا قدمت؟

    ومن سيكون أفضل بسببي بعد أن أغادر؟

    ولهذا فإن أعظم ما أتمناه لنفسي في هذا العمر ليس منصبًا جديدًا، ولا مشروعًا أكبر، ولا نجاحًا إضافيًا يضاف إلى سيرتي الذاتية.

    بل أتمنى أن يعينني الله على أن أكون أبًا صالحًا.


    في الثلاثين كنت أفكر كثيرًا في العمل.

    أما في الأربعين فأفكر كثيرًا في أولادي.

    أفكر في يوسف.

    وسفيان.

    وبلال.

    وخالد.

    وأتساءل دائمًا:

    هل أعطيتهم ما يكفي من وقتي؟

    هل كانوا يرون مني ما يستحق أن يتعلموه؟

    هل كنت أبًا هادئًا كما ينبغي؟

    أم أن ضغوط الحياة كانت تسرق مني أجمل ما فيّ قبل أن أصل إليهم؟

    لقد علمتني السنوات أن الأطفال لا يتذكرون حجم المسؤوليات التي كانت على أكتاف آبائهم.

    لكنهم يتذكرون الكلمات.

    ويتذكرون النبرة.

    ويتذكرون الحضن.

    ويتذكرون إن كان والدهم حاضرًا بقلبه أم بجسده فقط.

    لذلك فإن دعائي الأول في الأربعين هو:

    اللهم أصلح لي في ذريتي.

    اللهم أعني على تربيتهم.

    اللهم ارزقني الحكمة في توجيههم.

    اللهم اجعلني أكثر هدوءًا.

    وأقل عصبية.

    وأكثر صبرًا.

    وأحسن خلقًا معهم.

    اللهم اجعلهم خيرًا مني.

    واجعلني سببًا في صلاحهم لا سببًا في تعاستهم.


    أما أبي…

    فكلما تقدمت في العمر أدركت كم كنت صغيرًا وأنا أظن أنني أفهم الحياة.

    وأدركت كم كان أبي كبيرًا وهو يتحمل ما لم نكن نراه.

    إلى أبي…

    شكرًا لكل مرة أخفيت فيها خوفك علينا.

    شكرًا لكل مرة تحملت فوق طاقتك من أجلنا.

    شكرًا لكل نصيحة لم نفهمها إلا بعد سنوات طويلة.

    أسأل الله أن يمد في عمرك على الطاعة، وأن يرزقني برك كما ينبغي أن يكون البر.

    وأما أمي…

    فلا أظن أن الكلمات تكفي.

    كلما تقدمت في العمر ازداد يقيني أن الأم لا يمكن رد جميلها.

    إلى أمي…

    شكرًا على كل دعوة رفعتها لله من أجلنا.

    شكرًا على كل دمعة لم نرها.

    شكرًا على كل خوف حملته وحدك.

    أسأل الله أن يرزقني وإخوتي برك، وأن يجعل كل ما قدمته لنا نورًا في ميزان حسناتك.


    وأما زوجتي…

    رفيقة الطريق.

    وشاهدة كل تفاصيل الرحلة.

    شكرًا لأنك كنت هنا في الأيام الجميلة والأيام الصعبة.

    في لحظات النجاح.

    وفي لحظات الانكسار.

    وفي الأيام التي لم أكن فيها أفضل نسخة من نفسي.

    أعرف أن الطريق لم يكن سهلًا.

    وأعرف أنني قصرت كثيرًا.

    لكنني أسأل الله أن يعينني في السنوات القادمة على أن أكون زوجًا أفضل مما كنت.

    وأن تبقى المودة والرحمة هي العنوان الأكبر لما بقي من عمرنا.


    لقد كنت أظن وأنا أصغر سنًا أن الحياة تصبح أوضح مع التقدم في العمر.

    لكن الحقيقة أنها تصبح أثقل.

    تصبح أكثر امتلاءً بالذكريات.

    وأكثر امتلاءً بالفقد.

    وأكثر امتلاءً بأسماء أحببناها ثم غابت.

    كل عام يمضي يأخذ معه شخصًا كنا نظن أنه سيبقى.

    ويترك مكانه فراغًا لا يملؤه أحد.

    ولهذا أرى أن ما بعد الأربعين ليس عمر النهاية.

    لكنه عمر الحقيقة.

    العمر الذي يبدأ فيه الإنسان بالنظر إلى الدنيا كما هي.

    قصيرة.

    جميلة.

    مؤقتة.

    والعمر الذي يبدأ فيه الاستعداد الحقيقي للرحيل.

    ليس استسلامًا للموت.

    ولكن فهمًا لطبيعة الحياة.

    فنحن منذ ولادتنا نسير في اتجاه واحد.

    وكل سنة تمر ليست ابتعادًا عن البداية فقط، بل اقترابًا من اللقاء.

    ولهذا أصبحت أتمنى أن تكون أيامي القادمة أكثر قربًا من الله.

    وأكثر تصالحًا مع نفسي.

    وأكثر رحمة بالناس.

    وأقل انشغالًا بما لا يبقى.


    وفي الأربعين لم يعد لدي الكثير من الأمنيات.

    أتمنى فقط أن أكون إنسانًا أفضل.

    أن أكون أكثر شكرًا.

    وأكثر رضا.

    وأكثر لينًا.

    وأقل قسوة على نفسي وعلى من أحب.

    أتمنى أن يرزقني الله حسن الخاتمة.

    وأن يجعل وجودي خفيفًا على الناس.

    وأن يغفر لي ما مضى.

    وأن يبارك فيما بقي.

    وأن يجعل أثري الحقيقي في أولادي، وفي أهلي، وفي كل من مررت بهم في هذه الحياة.

    فإن كتب الله لي أعوامًا أخرى، فأسأله أن تكون أعوام صلاح وسكينة.

    وإن كانت هذه الأربعون بداية العد التنازلي لما بقي من العمر، فأسأله أن يجعل ما بقي خيرًا مما مضى.

    اللهم أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي، وأن أعمل صالحًا ترضاه، وأصلح لي في ذريتي، إني تبت إليك وإني من المسلمين.




اترك رد - رأيك يهمنى :)